إمواطن


12/10/2019

خزعل الماجدي: ملوك سومريون أم أنبياء توراتيون؟




عن دار «المركز الثقافي للكتاب» في الرباط وبيروت، صدر كتاب جديد للباحث العراقي في «الرافدينيات» خزعل الماجدي بعنوان «أنبياء سومريون ـــــ كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى أنبياء توراتيين؟». هذا الكتاب مهم لناحية موضوعه، وجريء في طريقة تناوله بعلمية ومنهجية دقيقة، فهو يتناول موضوعاً شديد الحساسية بسبب انغراسه عميقاً في المقدس الديني في الديانات الإبراهيمية الثلاث، والمقدس التوراتي خصوصاً. وهو ما أشار إليه المؤلف في مقدمته بقوله إن كتابه «يكسر عند الناس واحداً من أكبر التابوهات التي تخص بداية ظهور الإنسان وظهور الأنبياء الأوائل». والتابو الذي يقصده الكاتب هو ذاك الذي يغطي موضوع أصول الديانات السماوية، وقضية خلق العالم والإنسان وجذورها الأسطورية في عصور ما قبل الطوفان، وكيف قدمتها الديانات السماوية الثلاث الأكبر لاحقاً. فقد ساد اقتناع أولي، مع بدايات الكشوفات الآثارية الأركيولوجية في بلاد الرافدين، بأنها ذات أصول رافدينية سومرية انتُحِلَت أو انتقلت بطريقة التناص إلى السردية التوراتية اليهودية، ومنها انتقلت لاحقاً إلى الديانتين الإبراهيميتين الأخريين المسيحية فالإسلام. لكن الماجدي يحاول أن يفكك ويوضح ـــ مستعيناً بما يقدمه علم الآثار الحديث من أدلة مادية ـــــ تفاصيل وجذور تلك الأصول الرافدينية السومرية، ليستنبط منها لاحقاً آليات تكوّنها وانعكاساتها وانتقالاتها من سردية إلى أخرى. إن الهاجس الموضوعي والانشداد إلى المقاربة الدقيقة للحقيقة هو ما يحفظ المؤلف من الانزلاق وراء تقديم أحكام باترة وقاطعة. وهذا ما نجده غالباً في كتاب الماجدي، فهو يتوخّى الدقة ونقل الرأي المخالف، ليصوغ، من ثمَّ، خلاصاته واستنتاجاته بحذر ودراية وبلغة متسائلة، شكاكة، بعيدة عن القطع في أمور لا يجوز القطع فيها.
2019510223927504636931247675045920.jpg

إن موضوع المقارنة بين السردية الرافدينية والأخرى التوراتية ليس جديداً. فقد طُرِحَ في الثمانينات من القرن التاسع عشر من قِبل وينكلر وعلماء مدرسة «توراة بابل» الذين قالوا إنّ «معظم حكايات العهد القديم وخصوصاً أسفار موسى الخمسة، هي انعكاس للأدب المسماري «الرافديني»». لكن ماير، زميل وتلميذ العالم الشهير ويلهاوزن، رفض ذلك وقال إن تلك الحكايات التوراتية «كانت في الأصل مرويات شفهية ومجموعات من القصص المؤلفة من الحكايات الشعبية والأساطير والملاحم» (طومسون 12). ثم تناول تلك العلاقة بالدراسة والعرض والتمحيص باحثون عرب وأجانب آخرون من بينهم الباحث العراقي الراحل فاضل عبد الواحد في كتابه «من سومر إلى التوراة» سنة 1989، ولكنه لم يتوقف تحديداً وبالتفصيل لموضوع العلاقة بين ملوك سومريين وأنبياء توراتيين لعصور ما قبل الطوفان. كذلك قارب هذا الموضوع الباحث فراس السواح في كتابه «مغامرة العقل الأولى» سنة 1976، لكنه اكتفى بحشد كمٍّ مهم من النصوص الرافدينية ذات العلاقة بالنصوص التوراتية، تاركاً مهمة المقارنة والتحليل والخروج بالاستنتاجات الحاسمة للقارئ! ومن الباحثين الأجانب ألّف فردريك ديليتش كتابه الشهير «بابل والكتاب المقدس» الذي ترجم إلى العربية سنة 1987، وهو كتاب مفيد فعلاً، ولكنه مضطرب من الناحية العلمية وينحو نحواً إنشائياً أحياناً، فينتهي إلى استنتاجات ذاتية الطابع ثم إنه لم يكن دقيقاً في طريقته في الاقتباس من الكتاب العبري المقدس كما في نقله المبتور لوصف بابل كما جاء في سفر إرميا.
لعل أهم ما يتميز به كتاب الماجدي هو أنه يذهب مباشرة وعميقاً إلى موضوع تلك العلاقة التي يسميها «الينبوع الثيولوجي» للسرديات الدينية، فيضعها تحت نور البحث التحليلي مخصصاً كتابه برمّته لها ولتفاصيلها وجزئياتها وتداعياتها.
اعتمد الماجدي في تأليفه كتابه استراتيجية تأليفية شديدة الدقة والوضوح، وهذا ما يجعل الكتاب في متناول فهم القارئ الأكاديمي المتخصص وغير المتخصص، رغم تعقيدات الموضوع المدروس وغموض مراجعه الرافدينية، إضافة إلى المتعة الحقيقية التي يقدمها للقارئ الشغوف بالتاريخ والمثيولوجيا.
الفكرة الجوهرية الرئيسية التي ينهض عليها الكتاب، هي محاولة رصد وتفسير أوجه التشابه البالغ أحياناً حدَّ التطابق في التفاصيل بين ما قدمته الكتب الدينية اليهودية وخصوصاً التوراة وأسفارها الخمسة من سردية روائية ورؤيوية لعشرة من أنبياء بني إسرائيل لعصور ما قبل الطوفان وبين ما قدمته السردية السومرية السابقة لها بقرون عديدة والمدعمة بالأدلة الآثارية «الأركيولوجية» القاطعة من تفاصيل تتعلق بعشرة من الملوك السومريين للفترة السحيقة. وينال موضوع الخلق الأول للعالم وأبي البشر الأول «آدم التوراتي» المقابل لـ«ألوليم السومري» وموضوع الطوفان ذاته وبطله «نوح التوراتي» المقابل لـ«زيوسودرا السومري».
الأنبياء «الآباء» التوراتيون العشرة الذين يؤثل لهم الباحث هم: آدم، شيث، أنوش، قينان، مهللئيل، يارد، أخنوخ، متوشالح، لامك ونوح. وبعد مقارنات وتحليلات معقدة ولكنها معروضة بشكل واضح ورصين، يضع الماجدي جدولاً بالملوك السومريين العشرة المقابلين لهم، وهم: ألوليم، ألكار، إينمن لو أنا، إينمن كال أنا، ديموزي سيبا، أنسيبازي أنا، إنمين دور أنا، أوبار توتو، شكور لام، وزيوسودرا الذي يحمل باللغة الأكدية في العصر البابلي اللاحق للسومري اسم «أتونبشتم» صانع الفُلك للنجاة من الطوفان والذي يقابل في الدور والصنيع نوح التوراتي. وفي موضع آخر من الكتاب، يناقش المؤلف مؤيداً وجهة نظر أخرى حول آدم التوراتي ويقول إنه هو نفسه «ديمو- زي» الإله المتحول إلى بشر ــ والكلمة تعني «الإنسان المرتفع أو العالي» ـ ملاحظاً القرب الصوتي بين لفظتي آدم وديمو.
ينتظم الكتاب في ثلاثة أبواب، يضم الأول ثلاثة فصول حول كتب الديانة اليهودية وأسفارها. وهو باب مهم يقدم لوحة مبسطة لشبكة الكتب اليهودية المعقدة والمتداخلة. وفي الباب الثاني، يناقش المؤلف ويحلل على امتداد 12 فصلاً «حقيقة آباء وأنبياء ما قبل الطوفان» عارضاً سرديات 12 نبياً توراتياً هم موضوع المقارنة والمطابقة مع عشرة ملوك سومريين، بادئاً بآدم «الأب الأول»، ومنتهياً بآخر أنبياء ما قبل الطوفان نوح. وفي الباب الثالث والأخير وعنوانه «آلهة وملوك»، يضع الباحث خلاصة جهده واستنتاجاته في فصلين مهمين.
«آدم» هو المقابل لـ «ألوليم السومري» و«نوح» مقابل لـ«زيوسودرا السومري»


يقدّم كتاب الماجدي محاولة جدية وواعدة لملء الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأبحاث التاريخية والتوراتية والإناسية «الانثروبولجية» وعلم الإلهيات «الثيولوجية» وعلم اجتماع الأديان حول حقيقة الفراغ الكبير واللاتارخانية التي تسم الرواية التوراتية المدونة سواء في نصوص الملك يوشيا (641 ق.م – 609 ق.م) قبل سقوط يهوذا، أو من قبل عزرا الكاتب (480 ق.م – 440 ق.م) العائد من بابل بمعية نحميا، حول ما ترويه عن عصور ما قبل تدوين التوراة نفسها، نزولاً إلى عصر ما قبل الطوفان، وعن السر والسبب الحقيقي الذي يجعل القصص التوراتي متطابقاً هذا التطابق المذهل مع القصص الرافديني الوثني والمؤكد بالأدلة الآثارية الملموسة، آخذاً في الاعتبار الأسبقية التأريخية للنص الرافديني على التوراتي بقرون عديدة. ولهذا سيشكل هذا الكتاب إضافة مهمة وجديدة لعلم أساطير نشوء الإنسان، الأنثروبوغونيا ( ANTHROPOGONY).
صحيح أن إجابات الماجدي ليست مباشرة لأنها تنتمي إلى البحث المنهجي العلمي، وليس إلى الإنشاء المسبق المُحْتَكِم إلى الظنون، وصحيح أنها ليست الأولى في هذا الميدان ولكنها الأكثر دقة والأعمق تحليلاً وتنظيماً. في نهاية كتابه، يَعِدُ الماجدي قراءهُ بكتاب ثانٍ في هذا الباب، يرصد فيه آباء وأنبياء آخرين، توراتيين ورافدينيين، لعهود ما بعد الطوفان، ليستكمل بذلك ما بدأه في هذا الكتاب. إنه كتاب مهم وجدير بالقراءة العميقة والمنتجة لنقود خلاقة تفتح باب البحث على مصراعيه في هذا الميدان وعلى أرض حوادثه وسردياته الأصلية ذاتها في بلاد الرافدين. جدير بالذكر، أن الباحث الماجدي قدم للمكتبة العربية قبل عامين كتاباً مرجعياً ومهماً في بابه، عنوانه «علم الأديان... تاريخه مكوناته مناهجه أعلامه حاضره ومستقبله» وقد صدرت طبعته الثانية قبل أسابيع قليلة.

*كاتب عراقي



المصدر : https://al-akhbar.com/Kalimat/270284/%D8%AE%D8%B2%...

أخبار | الثقافية