النشرة

و م ع - فاطمة تيمجردين - الاربعاء 26 فبراير 2020

عازف العود المغربي علاء زويتن.. رحلة إبداع تزاوج بين الفن الأصيل والموسيقى العالمية



برلين - تخلى عن دراسة الطب في مدينة مراكش في وطنه الأم وشد الرحال الى ألمانيا لدراسة الموسيقي حيث شق مساره بشغف في رحلة إبداع موسيقية، إنه عازف العود المغربي علاء زويتن الذي حمل معه سحر ترانيم إيقاعات العود الأصيلة وقام بمزجها بروائع مختلف أصناف الموسيقى العالمية.


"حديث العود"، "مهرجان كناوة"، فعالية "أراب سونغ جام" التي يختلط فيها عبق الفن الأصيل مع الموسيقى الغربية ، مشاريع موسيقية طموحة أطلقها عازف العود المغربي في العاصمة الالمانية برلين، إيمانا منه بجمالية الموسيقى المغربية والعربية الأصيلة وبضرورة الاسهام في إشعاعها لدى المتلقي الألماني بشكل خاص والاوروبي بشكل عام وفي نفس الوقت الانفتاح على الثقافات الأخرى من خلال النهل من مختلف أنماطها الموسيقية.

ويركز الموسيقي المغربي في أعماله على مزج الايقاعات الموسيقية، مبرزا في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء "أحاول فك شفرات الموسيقي الغربية ثم أعود الى الموسيقي الاصلية وأبحث عن أوجه التشابه مما يعطني إلهاما لتأليف الموسيقي"، مؤكدا أن "آلة العود يمكن أن تتحدث موسيقى متعددة انها لا تنحصر في نمط موسيقي محدد".

ظهرت موهبة علاء زويتن، الذي ينحدر من مدينة اليوسفية، وعمره لا يتجاوز ستة سنين، لكن مدينته الصغيرة كانت تفتقد الى معهد للموسيقى، فارتأت أسرته التي كانت مولعة بالموسيقى الاندلسية والطرب العربي، أن تلحقه بجمعية ثقافية، الوحيدة من نوعها بمسقط رأسه، والتي كان ينشط فيها أستاذ للموسيقى لا يخفي الفنان زويتن ، إعحابه بمعلمه الاول الذي أمسك بيده في أول الطريق في مجال الموسيقي وكان له الفضل في تلقينه أول الدروس في العود والكمان، فضلا عما كان يتمتع به من طاقة هائلة كانت تلهم زويتن للمضي قدما في مساره.

يقول الموسيقي المغربي الذي يحرص على تقديم الشكر والامتنان للاستاذه إنه تعلم في الجمعية ما كان يفترض تعلمه في معهد للموسيقى، مؤكدا أنه تلقى دروسا في العزف على آلة العود بنفس الطريقة التي تقدم بها في المعهد.

مسار علاء زويتن الفني سيعرف نقلة نوعية بعد حصوله على الباكالوريا في مسقط رأسه اليوسفية، إذ سينتقل إلى مراكش لدراسة الطب وفي نفس الوقت سيلتحق بمعهد الموسيقي بالمدينة لصقل موهبته الموسيقية لكنه بعد خمس سنوات في كلية الطب سيقرر الانقطاع عن الدراسة، في خطوة أثارت استغراب أسرته والمقربين إليه.

بالنسبة للفنان المغربي، "كان قرارا صعبا لكني كنت أرغب في التوجه الى أوروبا للاستلهام من تجارب أخرى والنهل من ثقافات أخرى، كما أن عشقي للموسيقى كان يزيد ويكبر واهتمامي بالطب كان يقل". بعد أن اعترضته مشاكل في الحصول على التأشيرة للتوجه نحو فرنسا، وقع اختيار علاء زويتن على ألمانيا لأنها تضم 70 مدرسة للتعليم العالي في التكوين الموسيقي حيث التحق بجامعة إرفورت بولاية تورنغن شرق ألمانيا، واختار شعبة الموسيقى والفلسفة وحصل على الاجازة ثم تابع دراسته في الماستر شعبة علم موسيقى الشعوب في مدينة فايمار الألمانية عاصمة الثقافة العالمية.

بعد مرحلة الدراسة، واصل زويتن رحلته في مجال الموسيقى ليستقر به المقام أواخر سنة 2016 في برلين، عاصمة الثقافة والموسيقى الاوروبية التي تتميز بفرق سيمفونية شهيرة وعروض أوبرا في غاية الجمال إضافة الى مسارح المنوعات و الاستعراضات.

يقر زويتن أن تجربة الهجرة الى ألمانيا التي اختارها عن طواعية كان لها أثر كبير على شخصه ومساره الفني قائلا "تعلمت الجدية والعمل ويجب أن تكون منفتحا على الاخر. تأثرت بموسيقى باخ وبيتهوفن بنفس قدر اهتمامي بأم كلثوم وغيرها من فناني الطرب العربي". وكانت باكورة الاعمال الفنية لعلاء زويتن سنة 2012 في مدينة إرفورت حيث وقع أول ألبوم له والذي ضم 6 مؤلفات موسيقية مزج فيها بين التأثيرات الموسيقي العربية والموسيقى الاندلسية والفلامنكو والجاز وبعد ذلك أنجز الالبوم الثاني الذي يحمل اسم (حديث العود) "تولكين عود" والذي تم تمويله من قبل الصندوق العربي للفن والثقافة.

وحول هذا الالبوم يقول زويتن "حاولت فيه خلق مجالات صوتية مختلفة من حيث النمط الموسيقي والتوزيع ، قد تكون احيانا مقطوعات غربية محضة وأحيانا أخرى مزج بين موسيقى كناوة والجاز أو البلوز ولكن العود يظل حلقة الوصل بين مختلف هذه الانماط".

ويضيف "أردت من خلال هذا الالبوم، ابراز امكانات الة العود مع الالات الموسيقية الاخرى وانجزت هذا العمل مع موسيقيين من برلين مثل الموسيقي المغربي المعروف غاني كريحة الذي كان ضيفا خاصا لأنه هو الذي شارك في العمل بالايقاعات المغربية واللاتينية. وقد كان هذا الألبوم بمثابة لبنة لما سيأتي من أعمال في المستقبل ففي كل قطعة كان هناك مزج بين موسيقى الصحراء والبلوز والفلامنكو مع الموسيقى العربية". 

ويعد مشروع مهرجان كناوة الذي ينظم في برلين محطة لامعة في مسار عازف العود المغربي والذي انبثقت فكرته انطلاقا من فعالية (أراب سونغ جام) والتي كان ينظمها مرة في الشهر في المركز الثقافي (فيركشطات دير كولتورن) في برلين حيث كان في كل مرة يسلط فيها الضوء على نمط معين من الموسيقى مثل الموسيقى الامازيغية أو الاندلسية أو الطرب العربي.

ويقول الفنان المغربي أنه نظم في اطار هذه الفعالية حفلا خصص لموسيقى كناوة ، وحظي باقبال منقطع النظير مما جعل مديرة المركز الالماني السيدة فليبي ابينه تقترح عليه تنظيم مهرجان كناوة فكانت أول دورة له سنة 2018 تلتها الدورة الثانية في صيف سنة 2019.

"موسيقى كناوة فيها سحر خاص ، هي نقطة التقاء ومزيج بين الموسيقى الإفريقية والامازيغية والعربية، موسيقى تحقق في نفس الوقت الفرجة والاجواء الروحانية بآلات موسيقية غير معقدة بالمقارنة مثلا مع الأركسترا"، يقول علاء زويتن.

ويضيف "إنها تخلق تأثيرا وأحاسيس وهنا تكمن عبقرية الموسيقى ولديها قابلية للمزج مع أنواع موسيقية أخرى ـ قريبة من البلوز وفيها لمسة من الغرائبية مما يجعلها تنال إعجاب الجمهور الغربي بصفة عامة والألماني بصفة خاصة. 

مهرجان كناوة في برلين بالنسبة لزويتن لم يعد فقط ملتقى للمغاربيين ولكن للجمهور الدولي من بلجيكا وبراغ وتشيك وغيره ويقدم صورة إيجابية عن الثقافة المغربية. 

اقتناعا منه بأهمية تشجيع فناني هذا الصنف الأصيل من المسيقى المغربية، قام الموسيقي زويتن بجلب موسيقيين من صويرة والرباط مثل ماجد بقاس والمعلم المختار كنيا وأسماء الحمزاوي (أول امرأة كناوية) ، مهدي قاموم ، مع اعطاء اولوية للموسيقيين المغاربة من المهجر مثل فرقة المعلم هشام ، فرقة بلاك كويو ، سيمو الكناوي ، وفرقة "كناوة دويتشلاند" بقيادة المعلم الحبيب مما جعل من مهرجان كناوة في نسخته الالمانية متنفسا لهؤلاء الفنانين الذين رحبوا بهذه المبادرة.

ويرى الموسيقي زويتن أنه من أجل تعزيز هذه الفعالية ،هناك حاجة ماسة إلى دعم الجهات المعنية بالمغرب لأن المهرجان يساهم في الترويج للموسيقى المغربية العريقة.

الفنان زويتن الذي قام مؤخرا بجولة في المغرب لمدة أسبوع بدعم من المعهد الفرنسي بالمغرب في إطار مشروعه "حديث العود" والتي قادته الى أكادير و الجديدة والقنيطرة والرباط وطنجة وتطوان و وجدة، يشتغل الآن على ألبوم جديد يهتم بالمزج بين الفلامنكو والموسيقى الاندلسية ويتخلله غناء. 

ويتطلع عازف العود المغربي من خلال هذا المشروع الى "إرجاع الأمور الى شكلها الطبيعي عوض البحث عن مزج الموسيقى المغربية والجاز لأن موسيقى الفلامنكو أقرب الى الموسيقى الاندلسية" على حد قوله، ليواصل بذلك رحلته الإبداعية في سفر موسيقي هذه المرة ما بين برلين وغرناطة بمشاركة موسيقيين مغاربة وإسبان وفرنسيين.