إمواطن


09/10/2019

عن كتب بوهوميل هرابال وفئرانه | حسن داوود




مرات كثيرة عدت إلى البدء من جديد لقراءة تلك الرواية. أقرأ من البداية في كل مرّة، إذ يصعب عليّ أن أتذكّر ما ورد في الصفحات العشرين أو الثلاثين التي كنت قرأتها من قبل. أما السبب في التوقّف المتكرّر فهو أنني، مع كل محاولة جديدة، أجد أنني لم أحقّق تقدما يذكر في فكّ طلاسمها، أو فلأقل أنني لم أفلح في جعلها تنفتح، كما ينفتح العالم الخاص بالرواية في صفحاتها الأولى عادة، أو أنني لم أهتدِ إلى تلك اللحظة التي تبدأ بها الشخصيات بالحركة المفهومة.
لكنه بوهوميل هرابال، الذي كانت فكاهته الممزوجة بسوداويته واحدة من موضوعات نقاشاتنا عن الأدب الاحتجاجي ضد أنظمة السيطرة والقمع في ثمانينيات القرن الماضي. لم نكن قد قرأنا هذه الرواية إذ لم تصلنا آنذاك نسختها الأولى التي صدرت في 1976. كانت الرقابة الاشتراكية قد حجبتها آنذاك، ولم نعرف شيئا عن صدورها اللاحق في 1989.
ينبغي إذن أن أعود مرة أخيرة، وأكيدة لقراءة الرواية، وقد صدرت بالعربية الآن. أول ما ينبغي القيام به هو الاستمرار في القراءة، مهما تأخر وصولي إلى تلك اللحظة، التي سيتجمع فيها ذلك الشتات الفوضوي من التداعي والتذكر والتخيل والاستطراد، ليشكل بداية لأحداث روائية مفهومة. فالرجل، الذي هو «هانتا» والذي يرد اسمه مرات قليلة في صفحات الرواية، وحيد ومضطهَد من مديره ولم يعد في السن المناسب للحياة. وهو قارئ لا يكلّ للكتب التي يختارها، أو يسرقها، من الكُوَم التي تُلقى له ليضعها في فتحة الآلة الهيدروليكية لتُطحن ثم تحوّل بعد ذلك إلى معجون سيعاد تحويله، وبدلا من أن يبحث عن أوقات الراحة من وطأة أطنان الكتب هذه، تراه يهرّب منها نسخا، سرعان ما ستتحول أكواما هي الأخرى، إلى بيته. وكما هناك، في المصنع، كما هنا في منزله. لن يتوقف البيت عن الامتلاء طالما أن الكتب التي تُحمل إليه ستبقى على حالها فيه. البيت يضيق إذن، وسيستمر في الضيق، وذلك على حسابه هو، أي على حساب المساحة الخاصة به. لقد امتلأ كل فراغ حيث، في مرحاضه مثلا، لم يعد متاحا له إلا الحيز الضيق فوق ذلك الكرسي يضع فيه جسمه حين يقضي حاجته.
وهو يردّد على الدوام، لكون الرواية تجري على لسانه، أنه يعمل في طحن الكتب منذ 35 عاما. وهو يعرف مهنته جيدا، كما يقول، رغم أنه لم يلق ثناء أو شكرا من مديره ولو لمرة واحدة. وليست الكتب موضوعه الوحيد، فهناك الفئران التي لا تتوقّف عن التكاثر. في الرواية تكاد هذه الكائنات الصغيرة تحتل اهتماما مماثلا من الكاتب. سعيها الدائب الذي لا يتوقّف، سواء في داخل الآلة أو في كوم الكتب المتجمعة أطنانا (طالما أن الآلة لا طاقة لها على طحن كل ما يأتي إلى ذلك المستودع الضخم) أو في الأسفل حيث المجاري، يمثل الحركة الأكثر نشاطا في الرواية. أقصد النشاط الحركي الذي يوازي نشاط التخيل الذي يظل «هانتا» يهذيه كل الوقت. لكن هناك أحداثا أخرى، وإن قليلة، تجري أو جرت سابقا في حياته. من هذه مثلا وفاة أمّه التي رآها «وهي تسلك طريقها نحو الجنة». ثم كان حاضرا هناك حيث تُحرق الجثث: «جثة أمي كانت الثالثة.. أقف هناك، وأفكر بأبيات ساندبرغ في أن كل ما يتبقى من الإنسان هو فوسفور، يكفي لصناعة أعواد ثقاب أو مسمار من الحديد».
هناك الخال أيضا، ذاك الذي يتخذ تقاعده عن العمل أهمية غير مفهومة في الرواية، إلا إن كان هذا الخال ملهم كاتبنا في فوضاه العقلية. كانت الأم تزن قرابة مئة وخمسة وستين باوندا عندما كانت على قيد الحياة. لكن بعد أن ماتت قام الخال بوزن بقاياها بميزان «.. وبعد ذلك، جلس وقال إن ما بقي منها ثلاثة أرباع أونصة».
ما يجعل الرواية أكثر غموضا واستغلاقا هو ميل قارئها إلى الظن أن كل ما يجري وصفه هو ترميز إلى عالم تشيكوسلوفاكيا في ذلك الزمن. وإذ يبدو أن الإحالة مستعصية، يصير ما نقرأه محض تخييل كتابي لا صلة له بشيء. لكننا لن نلبث أن نعود إلى حيث غادرنا، إلى ذلك الخليط من المفهوم وغير المفهوم، من الانتقال السريع مما يبدو واقعيا إلى ما هو جنونيّ. في الصفحات الأخيرة من الرواية نقرأ عن نهاية رجُلنا، «هانتا»، لاحقا بنهاية آلته الهيدروليكية وفوات زمنها. فجأة رأى مصنعا آخر لطحن الكتب أقيم على مساحة كبيرة، مصنعا جديدا لامعا، بل وشفافا يمكن رؤية جانب له من الجانب الآخر. أما الموظفون فيه، موظفو ما بعد هانت، فيرتدون قفازات ويعتمرون قبعات نقشت عند مقدم كل منها نجمة. وهناك، على طاولة قريبة، وضعت قناني الحليب للحفاظ على صحة العاملين الذين سيزداد الإنتاج في زمنهم الجديد، إلى حد أن الكومة التي كان عليها أن تنتظر ساعات طوالا حتى يحين دورها، تسقط هنا، على الفور، من دون أي تأخير في فوهة الآلة الواسعة.
وأنا أقرأ التعريف بحياة هرابال في ختام الرواية بدا لي أن حادثة وفاته مماثلة بالتمام لعقله الساخر ومخيّلته، بل إنها تكملة لما تعاقب سرده في الرواية: «توفي هرابال في أحد مستشفيات براغ بعد أن سقط من شرفة الطابق الخامس، عندما كان يطعم الحمام البري على ما يبدو». كانت هذه الميتة قد تكرّرت في مشهدين وردا في أعماله، هذا ما يقوله أولئك الذين رأوا أن موته لم يكن إلا انتحارا.
*رواية بوهوميل هرابال «عزلة صاخبة جدا» صدرت عن «دار المتوسط» بترجمة منير عليمي ومراجعة منصور العمري.

٭ روائي لبناني



المصدر : https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D8%B9%D9%86-%D9...

أخبار | الثقافية