النشرة

الخبر - أحمد السعيدي - الاثنين 26 سبتمبر 2011

قراءة في كتاب “الخط المغربي”



يُعد المؤلّفان من ورثة المدرسة المدرسة المنّونية[1] في الاعتناء بالخط المغربي، إذ عُرف عنهما المزاوجة بين البحث في تاريخيْ المغرب الوسيط والمعاصر، والاشتغال بقضايا الخطّ المغربي تنظيرا وممارسة، فالكتاب المومى إليه ثَمَرَةَ الإحساس بقيمة المنجز الحضاري المغربي على جميع الأصعدة بما فيها فن الخط. وحاصل القول أن الكتاب لا غُنية عنه لدارس الخط المغربي والعربي والباحث في قضايا المخطوطات وتاريخ الفن الإسلامي والجماليات وعلم الصورة.. ولعل المؤلفين تَمثَّلا خلال انقطاعهما لهذا العمل الرصين قول خليل في المُختصر:”وقُدِّمَفَرضٌ خِيفَ فَواتُه.”


أحمد السعيدي
أحمد السعيدي
تاريخ الخط المغربي وخصائصه:

تطرق المؤلفان في القسم الأول “تاريخ الخط المغربي وخصائصه” إلى عرض مركّز لمسار الخط العربي منذ انبثاقه في الجزيرة العربية، حيث أخذ العرب حروفه عن الأنباط الذين أسسوا مدنا في فلسطين والشام والأردن وشمال الحجاز في قرون ما قبل الإسلام.. وقد شهد الخط العربي تغيرات كثيرة جعلته يستقل عن الخط النبطي إلا أنه ظل بسيطا لم يرْق إلى درجة التجويد. ثم تطوّر بعد ذلك ليتخذ الشكل الذي وُجد عليه في صدر الإسلام، من ثم كان اعتماد الخط العربي لنقل محتوى الوحي إيذانا بتطور هذا الخط (نقطه، شكل حروفه) وتألقه وانتشاره بموازاة الفتح الإسلامي وحركة التجارة في ما تلا من العصور، واشتُهر خطاطون كبار كابن مقلة وابن البواب..

نشأة الخط المغربي وتطوره:

يعني الخط المغربي “بصفة عامة مجموع خطوط بلاد المغرب والأندلس، أي تلك الرقعة الجغرافية التي كانت تمتد من صحراء برقة بليبيا إلى نهر الإبرو بالأندلس، والتي تميزت تاريخيا بوحدة ذهنية ومذهبية وحضارية..” (ص. 29) فهو داخلٌ في عِداد الخط العربي الذي انتشر في المغرب بانتشار الإسلام منذ القرن الهجري الأول، حيث أقبل الأمازيغ على تعلّم الخط بموازاة إقبالهم على حفظ القرآن الكريم، ومن ثم استقر الخط الجديد في مدوّناتهم وثقافتهم.. ومن بين الأسباب التي يذكرها المؤلفان لهذا الإقبال عند المغاربة: حماسهم الديني وارتباط الخط بقداسة القرآن الكريم، ثم الانخراط التلقائي في الثقافة العربية الإسلامية، واستعمال الخط العربي في التحصيل والإدارة والتواصل، إضافة إلى غياب كتابة محلية عند سكان شمال إفريقيا عند اتصالهم بالمسلمين، فالحروف المسماة اليوم يتيفناغ كانت قد اندثرت بمدة طويلة قبل دخول الإسلام.. ويعد الفلس النحاسي المضروب في عهد موسى بن نصير غداة فتح الأندلس من أولى الوثائق التاريخية المكتوبة التي وصلتنا.

مراحل التطور الأساسية للخط المغربي:

كان الخطان الحجازي والكوفي هما الأصل في تطور هذا الخط، حيث أثر الخط الكوفي العراقي في كتابة أهل افريقية فتولّد عنه الخط القيرواني الذي نتج عنه أيضا الخط الإفريقي، بينما أثر الخط الكوفي الشامي في الأندلس فظهر الخط الأندلسي. وقد قسّم المؤلفان مراحل هذا التطور إلى ثلاث مراحل:

    المرحلة القيروانية: تطور فيها الخط الكوفي وخصوصا الكوفي القيرواني.
    المرحلة الأندلسية: تطور فيها أيضا الخط الكوفي إلى الخط اللين الدقيق ثم الخط القرطبي المبسوط.
    المرحلة المغربية: مع انتقال الخط الأندلسي إلى المغرب منذ العصر الموحدي وتطويره محليا ظهرت ملامح تميزه عن الخط الأندلسي تدريجيا، حتى أصبح يعرف بخط المغاربة أو الخط المغربي. ثم تتابع تحسين الخطوط فصار الخط الكوفي المغربي يتخذ في النقش على المعمار وكتابة آي القرآن، واتخذ الخط المبسوط لكتابة المصاحف، والخط المجوهر في التآليف المهمة والظهائر، والخط المسند في التقاييد. وقد أسفر هذا التطوير على خمسة أنواع ابتداء من العصر المريني وهي: 1) الخط الكوفي المغربي. 2) خط الثُّلث المغربي. 3) الخط المَبسوط. 4) الخط المُجَوهَر. 5) الخط المُسند أو الزِّمامي.

الخط المغربي من الحماية إلى العصر الراهن:

كما انصرف المؤلفان إلى وصف تاريخي للخط المغربي في ارتباط بالدول الحاكمة بمن فيها الادارسة والمرابطون والموحدون والمرينيون والسعديون والعلويون، إلى عهد الحماية الذي شهد فيه هذا الخط أزمة خانقة، إذ برزت هيمنة اللغة الفرنسية والحرف اللاتيني في التعليم والحياة العامة على حساب الحرف واللغة العربيين. ونتيجة لهذا ظهر رد فعل قوي في أعمال الحركة الوطنية تمثل في تلقين اللغة العربية وتعليم الخط العربي للطلاب.. وإصدار مذكرات “تعليم الخط” المغربي في خمسة كراريس من تأليف محمد بن الحسين السوسي وأنطونيو كَارسيا خاين (طبعت باسبانيا سنة 1949 بدعم من نيابة التربية والثقافة بالمنطقة الخليفية). أما في عهد الاستقلال فقد لقي الخط المغربي الاهتمام البالغ، يتجلى ذلك في كتابة الرسائل والظهائر الملكية الرسمية به إلى اليوم، باعتبار ذلك من التقاليد السلطانية العريقة، وظل خطاطو الديوان الملكي من خطاطي المغرب المرموقين الذين يتقنون الخط المغربي بجميع أنواعه. كما تم في هذه المرحلة إنجاز المصحف الحَسَني المطبوع بإشراف وزارة الأوقاف سنة 1980 ثم المصحف الحَسَني المسبَّع أي المكتوب من لدن سبعة خطاطين بالخط المبسوط، طبع سنة 1997. كما برز خطاطون مغاربة كبار أمثال عبد الكريم سكيرج (ت. 1984) وعبد السلام بناني (ت.1997) وأحمد البهاوي السوسي.. وفي هذه المرحلة غلب الخط النَّسخي المشرقي في المجال الرسمي، خاصة على النقود والطوابع البريدية.. وفي مجال التعليم والطباعة.. أما في الوقت الراهن، فقد زاد الاهتمام بالخط المغربي بإسهام الخطاطين المغاربة في المباريات الوطنية والدولية مثل مهرجان بغداد العالمي للخط العربي والزخرفة الإسلامية (1987-1990) ومهرجان طهران العالمي لفن الخط الإسلامي منذ سنة 1997، ومسابقة إستانبول. كما تم تنظيم تظاهرات وطنية كثيرة مثل: مهرجان المغرب العربي الأول للخط العربي والزخرفة الإسلامية (1990) والمعرض الوطني الأول لفن الخط بالمغرب (1991) والمباراة الوطنية في الخط العربي (1993) والمعرض الوطني الثاني لفن الخط بالمغرب (1995) والمعرض الجهوي في فن الخط العربي (2001) والمعرض الوطني الثالث لفن الخط العربي (2002) والمعرض الوطني الرابع لفن الخط العربي (2003) ومعرض الخط العربي (2007). وفي الجانب الفني أبرز المؤلفان خصائص هذا الخط ومنها: الجمالية والانسجام والتناغم والتجريد والغنى والتنوع والليونة والانسيابية والحرية التشكيلية..

أنواع الخط المغربي:

قدّم المؤلفان وصفا مركزا لأنواع الخط المغربي كل على حدة، فالخط الكوفي المغربي خط هندسي بديع يتميز بخطوط مستقيمة وزوايا حادة، وهو من الخطوط التزيينية التي لا تستعمل في الكتابة العادية إلا نادرا، ومن ذلك عناوين السور في بعض المصاحف وزخارف بعض الصناعات التقليدية وبعض أعمال الفن التشكيلي المعاصر. ويعد الخط المبسوط أكثر الخطوط المغربية راحة للعين بأحرفه اللينة المستقيمة وأشهرها، فقد استعمل منذ القديم في كتابة المصاحف وكُتب الأدعية والصلوات وعلى أساسه يتم التعليم في الكتاتيب القرآنية.. أما الثلث المغربي يعرف أيضا بالمشرقي المتمغرب، فيمتاز بجمال حروفه وليونتها، كما يمتاز بإمكانياته الغير المحدودة على التشكيل، تُكتب به فواتح السور وديباجة بعض الكتب كما يُستعمل في زخرفة المساجد والأضرحة والمدارس العتيقة.. ويُستعمل الآن في عناوين بعض المجلات وعناوينها الداخلية. وبالنسبة للخط المُجَوهر، فهو دقيق تمتاز حروفه بالصغر والتقارب ويوحي تناسقها بعقد الجوهر. انحدر هذا الخطّ من المبسوط، فصار خطَّ الكتابة المعتاد في الحياة العامة بالمغرب خلال القرون المتأخرة وخصوصا في الرسائل والظهائر السلطانية وفي الطبعات الحجرية حيث صدر به أكثر من خمسمائة مؤلف هو رصيد المطبعة الحجرية، ولا يزال هذا الخط مستعملا بقلّة عند العدول في تحرير الأنكحة وبعض الوثائق، وقد عُرف بالخط الفاسي. وآخر الخطوط المغربية خط المسند أو الزِّمامي (أي مشتق من الزمام وهو التقييد والتسجيل في الدارجة المغربية)، وهو خط سريع حروفه مائلة إلى اليمين ومتسلسلة وينحدر من المجوهر. ويُستعمل خصوصا في التقاييد الشخصية وفي الرسوم العدلية وكنانيش العلماء، ولا يُستعمل في الكتب العلمية إلا نادرا، وهو صعب القراءة مقارنة بغيره، ويعرف العامة باسم “خط العدول”. ويوجد الخط المدمج، وهو ليس بنوع ولكنه شكل من أشكال الكتابة الاعتيادية السريعة التي تجمع بين مؤثرات خطين مختلفين وتدمج بينهما مثل المبسوط والمجوهر أو المجوهر والمسند أو المبسوط والمسند.. وتدخل ضمنه خطوط بعض المناطق كالخط السوسي والحاحي والدرعي والصحراوي.. هذا التنوع والغنى في الخط المغربي جعلا إشعاعه كبيرا في باقي بلدان المغرب العربي وفي إفريقيا الغربية..

توصيات من أجل الخط المغربي:

وقد تضمنت خاتمة هذا القسم توصيات للنهوض بالخط المغربي على ثلاث مستويات:

أولا- مستوى بصري فني: ضرورة إدماج الخط المغربي في برامج التعليم ومدارس الفنون الجميلة وتوظيفه في الإبداعات الفنية والأنشطة الثقافية والحياة العملية..

ثانيا– مستوى بيداغوجي: ضرورة تقعيد الخط المغربي على غرار الخطوط المشرقية بوضع موازين وقواعد تضبط الخطوط المغربية وتسهل تعلمها وتسهم في إشعاعها وطنيا ودوليا..

ثالثا– مستوى حضاري: ضرورة إنشاء معهد خاص للخط المغربي والزخرفة الإسلامية للاهتمام بثرواتنا الوطنية المخطوطة ونشرها بين الأجيال وترسيخ حمولتها من القيم الحضارية..

نصوص ولوحات خطية:

في القسم الثاني “نصوص ولوحات خطية” ساق المؤلفان ثلاثة نصوص تراثية تتحدث عن الخط المغربي وتعليمه، وهي:”تحسين الخط” لعمر بن عبد العزيز الكَرسيفي السوسي (1800م) ثم “جودة الخط وانتظام حروفه” لأحمد الرفاعي الرباطي (1841م) وأخيرا “الخط العربي المغربي” لعبد الكريم سكيرج (1984م)، الذي نختار منه قوله:”والخط المغربي يلزم أن يبقى مغربيا ما دام المغرب معروفا بجمال الزليج في تزويقه، ونقش الجبس في تنميقه، وبالقرمود الأخضر في تنسيقه، وماء الفوَّرات في تدفقه، وما بقيت الجلابة والكساء والحياء في النساء، وما دامت فاس بجناتها وقصورها وشُموسها وبِدُورها، والرباط بحسّانه وشالّته ومرسى الفلك وبحارته، والحمراء بنخيلها، وجامع الفناء وضجتها.” (الخط المغربي: 89).

كما أغنى المؤلفان الكتاب بأكثر من سبعين شاهدا من الشواهد الخطية القديمة والحديثة واللوحات الخطية إضافة إلى صور لأدوات الكتابة عند المغاربة.. ومن ذلك خطوط المصاحف القديمة والحديثة وأنواع الخطوط المغربية من مخطوطات متنوعة وزخارف مغربية رائعة ووثائق سلطانية وخاصة وخطوط مغربية على الآثار المعمارية وعلى النقود والمقاييس ومختلِف الأدوات ونماذج لوحات لبعض الخطاطين والفنانين المغاربة المعاصرين..

آفاق الخط المغربي:

في القسم الثالث تحدث المؤلفان بشكل موجز عن مشروع أعمال تقعيد الخطوط المغربية الخمسة وأهمية إنشاء معهد خاص بفن الخط والزخرفة الإسلامية، ثم أوردا نص المرسوم الخاص بإحداث جائزة[2] محمد السادس لفن الخط المغربي، مرسوم رقم 2-06-384، صادر في 12 جمادى الثانية 1428/28 يونيو 2007. “وتعتبر قيمة هذه الجائزة من أعلى الجوائز في فن الخط العربي على المستوى العالمي، وهي متخصصة في الخط المغربي وهذا التخصص يمنحها ميزة كبرى.”[3] ونذكر أنه تم تزيين الكتاب بخطوط الخطّاط المغربي محمد المعلّمين في مختلِف عناوين أقسامه وفصوله..